ابن الجوزي
63
صفة الصفوة
ذلك فبات عليّ عليه السلام على فراش النبي صلّى اللّه عليه وسلم تلك الليلة ، وخرج النبي صلّى اللّه عليه وسلم حتى لحق بالغار ، وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي صلّى اللّه عليه وسلم . فلما أصبحوا ثاروا اليه فلما رأوا عليا ردّ اللّه مكرهم فقالوا : أين صاحبك ؟ قال : لا أدري ، فاقتصوا أثره . ذكر هجرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى المدينة كانت بيعة العقبة في أوسط أيام التشريق وقدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم المدينة لاثنتي ليلة خلت من ربيع الأول . قال يزيد بن أبي حبيب « 1 » : خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من مكة في صفر وقدم المدينة في ربيع الأول . قال ابن إسحاق : دخلها حين ارتفع الضحى وكادت الشمس تعتدل . عن عائشة زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلم قالت : لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية ، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى [ إذا ] « 2 » بلغ برك الغماد « 3 » لقيه ابن الدّغنة هو سيد القارة فقال : أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي . قال ابن الدّغنة : فان مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج ، أنت تكسب المعدوم « 4 » ، وتصل الرحم ، وتحمل الكلّ ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق [ فأنا لك جار ارجع واعبد ربك ببلدك فرجع وارتحل معه ابن الدّغنة فطاف ابن الدّغنة عشية في أشراف قريش فقالهم : إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم
--> ( 1 ) هو أبو رجاء يزيد بن أبي حبيب الأزدي فقيه مصر وشيخها ومفتيها لقي عبد اللّه بن الحرث بن جزء وطائفة ، قال الليث : هو عالمنا وسيدنا ، توفي سنة ثمان وعشرين ومائة . ( انظر شذرات الذهب ص 175 ج 1 ) . ( 2 ) زائدة عن رواية البخاري . ( 3 ) برك الغماد : موضع في أقصى اليمن مما يلي ساحل البحر ، وقال ابن فارس : بضم الغين وفي التوضيح : برك الغماد موضع في أقاصي هجر . ( 4 ) أي تعطي الناس مما لا يجدونه عند غيرك .